الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
119
مختصر الامثل
ثم تتغير لهجة الآية إلى نوع من التحذير والتهديد لُاولئك المفترين ، والتشجيع للمحسنين فتقول : « أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا » في تلك المحكمة الكبرى حيث يتلقى كل جزاء عمله . وقد يخال بعض أنّ جمع الناس لمثل هذا اليوم عجيب ، فكيف تجتمع ذرات التراب المتناثرة لترتدي ثانية حلّة الحياة ؟ ! لذلك تجيب الآية بالقول : « إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 ) الخوف من اللَّه فقط : هذه الآيات تتابع الحديث عن مسألة تغيير القبلة ونتائجها . الآية الأولى تأمر النبي عليه السلام وتقول : « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ » من أية مدينة ، وأية ديار « فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ » . ولمزيد من التأكيد تقول الآية : « وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَّبّكَ » . وتنتهي الآية بتهديد المتآمرين : « وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . الآية التالية كررت الحكم العام بشأن التوجه إلى المسجد الحرام في أي مكان : « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ » . صحيح أنّ هذه العبارة القرآنية تخاطب النبي صلى الله عليه وآله لكنّها تقصد دون شك مخاطبة عامة المسلمين ، ولمزيد من التأكيد تخاطب الجملة التالية المسلمين وتقول : « وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » . ثم تشير الآية إلى ثلاث مسائل هامة : 1 - إلجام المعارضين - تقول الآية : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ » . قبل تغيير القبلة كانت ألسنة المعارضين من اليهود والمشركين تقذف المسلمين بالتهم